القاضي عبد الجبار الهمذاني
279
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وأما الطريقة الثانية التي قلنا : إنها دالة على ما نذهب إليه في الجملة والتفصيل مما ثبت من بيعة أبى بكر ؛ لأن الإجماع صح على الرضا بأمانته « 1 » ، وكيف الرضا لنا عن أن البيعة وقعت صحيحة ؛ لأنهم حين أجمعوا على ذلك لم يتجدد ما يوجب كونه إماما ، ولا تعلق إجماعهم بإمامته في وقت دون وقت ؛ ولذلك أجروا كل أحكامه مجرى واحدا ، فصار من الإجماع كاشفا عن صحة إمامته من أول الأمر ، لا أن به صحت إمامته . وإذا صح ذلك فيجب أن يجعل الوجه الّذي انعقدت له إمامته أصلا في تثبيت الإمامة على ما قدمنا القول فيه . وبطل بذلك قول من يقول : إذا لم تجمعوا أولا على إمامته فالذي قلتموه لا يصح ؛ لأنا قد بينا كيفية القول فيه وصار ذلك بمنزلة أن يبتاع الامساز « 2 » حاله وغيرها ويتصرف فيها ، فإذا أجمعوا على جواز تصرفه علمنا أن السبب الّذي له يتصرف وقع صحيحا وحقا ، وقد علمنا أن الإجماع دلالة وأنهم فيما يجمعون عليه من مسألة قد دخل في الدين ، ومما لا يعلم إلا بالسمع لا بد من أن يستنفدوا إلى دلالة ، فيجب في هذا الإجماع أن يكون بهذه المثابة . وتلك الدلالة يجوز أن تكون مفصلة ومجملة ، فالمفصل يصلح للإمامة ، وعرفوا منه عليه السلام حصولها في أبى بكر وصلا « 3 » . وقد روى في أخبار كثيرة ، فإن لم تكن « 4 » متواترة فغير ممتنع أن تكون أصلا لهذا الإجماع نحو قوله : « إن وليتم أبا بكر تجدوه قويا في دين اللّه ضعيفا في بدنه » / وقوله : « اقتدوا باللذين من بعدى : أبى بكر وعمر » وقوله : « يأبى اللّه والمسلمون إلا أبا بكر » وما روى في غير حيز من دلالته على أن بعد موته يلزم الرجوع إلى أبى بكر ؛ فقد روى في حديث أنس أنه قال له وقد استأذن : « ائذن
--> ( 1 ) في الأصل : بإمامته ( 2 ) كذا في الأصل . ( 3 ) كذا في الأصل ، وهي جزء كلمة ، وقد ترك الناسخ بعدها بياضا ( 4 ) في الأصل ( تكون )